المجلس والدعوة ... حكايات مريرة(6)
سليمان الفهد
كاتب وسياسي عراقي
قبل بدء حكاياتي أود أن انوه بعجالة . أن الذي وراء التهديد الموجه إلينا هو من دولة استخدمت عراقيا عميلا لها ( نحتفظ بكل تفاصيله ) لتنفيذ مهمة دنيئة وجريمة لا تغتفر بحقنا لا لشيء . للتخلف والجهل والانحطاط والإفلاس الذي وصلت إليه تلك الجهة , وسأنشر التفاصيل لاحقا حال حصولي الضوء الأخضر من المحامي الذي يتابع القضية قانونا .
دع المفلسين يصرخون حتى تنقطع أنفاسهم .
ونعود لحكاياتنا :
أن الموجة العارمة من التحديات للأمة الإسلامية , شملت كل القطاعات والفئات الشعبية . فأزداد القمع العشوائي والسجن والإعدامات من قبل النظام الفاشي في بلاد الرافدين , ما أيقظ الجماهير للبحث عن البديل , بعد أن فشل المعارضون في الخارج من إحداث شرخ ولو كان بسيطا في النظام الحاكم . فكان الإسلام وحركاته الرسالية في الداخل المنقذ الوحيد لهذا الاحتقان فحرك بدواخلهم ثورة شعبية ثقافية واعية تبحث عن قائد للمسيرة .
بدأ تحرك الشهيد محمد صادق الصدر رضوان الله تعالى عليه . لإمكانية وجود تصورات فقهية , سياسية و شمولية في رؤيته , التي اكتسبها من أستاذه الشهيد محمد باقر الصدر رضوان الله تعالى عليه . فكلاهما يؤمنان بالعمل الحركي السياسي ومواجهة الانحرافات والظلم والاستبداد وكسر شوكة الخوف ورفض كل سلبياته , إضافة إلى رفض حواشي المرجعية ومسألة توزيع الحقوق الشرعية مباشرة لمستحقيها وكذلك نبذ الخوف وكسر قيوده بروح ثورية شجاعة ليعطي المرجعية مكانتها في قلوب الأمة .
كل ما تقدم خيار صعب في عراق يحكم بالحديد والنار . إلا أن السيد الشهيد محمد صادق الصدر كان أهلا لذلك التحدي بعد أن خلق حركة جماهيرية بحجم الطموح واخذ بزمام المبادرة للثورة الشعبية . حيث التفت حوله الجماهير في عراق الجرح , بعد أن يئست الأمة من كل الطروحات . فكانت المواجهة بخطابا ثوريا صادقا في صلاة الجمعة . بين ثناياه الحركة الموحدة والخطة الإستراتيجية المحددة نحو التغيير , وخطبه السياسية التي ورثناها ومشاهد الجماهير الصاخبة التي التفت حوله . ايقضت النيام المتكرشة ممن يطبلون ويهرجون دون جدوى . كانت ردود فعلهم أخذت أشكالا مختلفة من الحسد والتسقيط والتشهير والعزل . فحاصروه من الداخل والخارج , إضافة إلى حصار الفاشية البعثية داخل دائرة الحكم ألصدامي . كان أقسى حصار وصل ذروته في الداخل الحوزوي الذي تجاوزه بكل صبر بالمد الجماهيري الباحث عن الصارخين بوجه الظلم وليس المتفرجين .
شاهد من حكايات الداخل :
سألت احد وفود المرجعية آنذاك لجمع الحقوق الشرعية في الخارج وهو مقرب جدا جدا من الحوزة في النجف الاشرف . عن حركة الشهيد الصدر الثاني ومدى مصداقيته في العمل لإسقاط النظام الفاشي .. أجابني بكل صلافة أمام جمع غفير من الحاضرين يقدر بأكثر من خمسمائة شخص كانوا يجتمعون في مسجد لأداء صلاة الجمعة : ( أن محمد صادق الصدر بعثيا وهو أداة للنظام . ) فأحرجته قائلا : ( هل تتحمل مسؤولية كلامك هذا أمام الله ؟ ) أجاب ( نعم ) الرجل طبعا حي يرزق في العراق الآن ولازالت مكانته القيادية بالحفظ والصون .... عندها تركت المسجد دون أداء الصلاة احتجاجا .
أما أقسى حملة واجهها الشهيد الصدر الثاني كانت في إيران ( الإسلام ) حيث بدأت المنشورات المضادة للرجل حتى وصلت أقصى قرية في إيران وخرجت للأمريكتين وأوربا واستراليا ... إضافة إلى الحملة عبر الإذاعة والتلفزيون العربي والفارسي . يقودها الحركة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بكل فصائله وعلى نفس النبرة في التسقيط والتشويه , بأن الرجل بعثيا يدعمه صدام حسين من اجل إسقاط الحوزة وإغفال الجماهير طريق الصواب... فلم تكن الحملة موفقة أبدا بل زادت من شخصية السيد الشهيد في الخارج . فالبحث عن خطبه وكلماته أصبحت عملة نادرة صعب الحصول عليها . فلم يقصر محبيه ومريديه ومواليه في الداخل من تهريب التسجيلات لخطبه الرائعة المعروفة . وحتى تلك الخطب حوصرت بالتعاون مع الحكومة الإيرانية والمجلس . وقد خرج قسما منها للخارج عبر سوريا وانتشرت بصورة مذهلة .
كان الشهيد السعيد محمد صادق الصدر يحارب على جبهتين .. ففي احد خطبه المشهورة ردا على الاتهامات القادمة عبر الحدود واعني من إيران بخصوص مكتبة السيد محسن الحكيم رضوان الله تعالى عليه التي كانت شماعة الهجمة الشرسة ضده , نسمع رده الهاديء , الوافي , الشافي المقنع حول الموضوع لا جدال فيه ( استمع لخطبته في هذا الخصوص ) .
هكذا فسرتها أنا ( إذا يريدون مفاتيح المكتبة التي حماها السيد من عبث الطاغية فليتفضلوا يأخذوها وكفى الله المؤمنين القتال . )
فسلطت البعث الفاشي استفادة من هذه الحالة المربكة فتشجعت على تصفيته مع أبنائه . متصورة إيقافها لهذا المد الروحي الجماهيري الثائر .
حكاية أخرى في نفس السياق :
في احد محاضرات السيد محمد باقر الحكيم في احد مساجد قم في إيران , كان اكبر ردت فعل عرفتها الساحة الإسلامية العراقية بخصوص الشهيد الصدر الثاني . عندما اتهم السيد محمد باقر الحكيم الصدر الثاني بالتعاون مع نظام صدام حسين والعمالة له .. انهال جمع غفير من الشباب والشابات على السيد محمد باقر بالضرب بتحريض من صرخة غوث امرأة علوية مؤمنة أحدثت ثورة شعبية في المكان تدخل على أثرها . الشرطة والمخابرات الإيرانية . بعد أن زج العشرات من الجنسين في السجون , وآخرين وضعوا على الحدود العراقية كي يكونوا فريسة للنظام العراقي . نعم هؤلاء الشباب عبروا عن مشاعرهم الغاضبة وأحاسيسهم جراء الصدمة الكبرى لتشويه سمعة مرجعهم الديني الكبير السيد الشهيد محمد صادق الصدر رضوان الله تعالى عليه .
وفي اليوم التالي وبنفس المسجد يعتلي المنبر السيد صدر الدين القبنجي ويؤكد ما قاله السيد محمد باقر الحكيم واحدث ضجة أخرى وتظاهرة شعبية انهالوا بالضرب على القبانجي بنفس الطريقة .
بعد يومين أو ثلاثة من الحادث ذهب احد الأصدقاء المقربين من الثقات , للشيخ المالكي أيضا بخصوص وجهة نظره لما يجري بشأن الصدر الثاني . فكانت الإجابة أيضا : ( نعم إن الرجل مشكوك فيه .) انقل هذا للأمانة التاريخية ليس إلا .
فقد أسفر النظام الفاشي عن وجهه القبيح وقام بإغلاق العديد من المساجد والحسينيات وفي مقدمتها مسجد الكوفة . الذي أغلق فور عملية الاغتيال الجبانة , ومنع إقامة صلاة الجمعة . فكانت تهمة تقليد الشهيد الصدر الثاني تعتبر جريمة يعاقب عليها القانون راح ضحيتها آلاف الشهداء .
إذن من بادر في قتل الشهيد الصدر الثاني صدام حسين أم نحن ؟
إجابة اتركها للقاريء.
من جانب آخر كما وعدت القراء أن أتحدث ولو باختصار عن قضية السيد محمد حسين فضل الله الذي واجه حربا شرسة , بعد أن كان ابن إيران المدلل . ويعتبر من المرشدين الروحيين لحزب الله آنذاك . ولكنه عندما دخل مرحلة المرجعية , التي لا يروق للآخرين أن يكون للشيعة مرجعا عربيا ولو بعد حين .. أتذكر جيدا في المدينة المنورة نزلت رسالة التقليد للسيد محمد حسين فضل الله وكذلك في اليوم ذاته نزلت رسالة السيد علي خامنئي . وكأن الرجل اقترف جرما كبيرا بفعلته هذه ويجب محاسبته عليها . أول ردود الفعل شاهدتها بأم عيني في المدينة المنورة أن احد الرجال صعد على مكتب السيد في ألمدينه ومزق اللافتة أمام الأنظار واخذ يعربد ويصرخ كالمجنون سبا وشتما بالسيد محمد حسين فضل الله دون سبب .
كانت حملة التشهير والتسقيط المقصودة من كل حدب وصوب بعد أن حركوا اقرب المقربين له . قاد الحملة المضادة بكل جرأة ودون كلل . فاصدر كتبا خالية من العلمية والدقة رغم علم ذلك الرجل الوافر في مجال البحث .. وقد تستغربون أن هذا الرجل كان مدعوما بكل ثقل من السيد محمد حسين فضل الله بدون منازع . فهو الذي افتتح له حوزة في قم ودعمها ماديا ووفر لها مستلزمات النهوض .. التقيت هذا الرجل مرات ومرات وكنت أتبادل معه الأحاديث حول السيد محمد حسين فضل الله . كان يدافع عنه بدون تردد وحماس حتى انه يوما اعترض على احد مقابلاتي للسيد محمد حسين فضل الله في صحيفة البيرق , عندما سألته :( في الفترة الأخيرة برز على السطح دور السيد العلامة السياسي واختفى دوره الفكري , ما سر هذا البروز والتراجع ؟ ) فقال لي أن محمد حسين فضل الله رجل عالم جليل وفقيه . ( سبحان الله كيف أصبح محمد حسين فضل الله خارج الملة إذن , إذا كان فقيها !!!! ... وقد كفره هذا الرجل فعلا في كتاباته.... أفتونا مأجورين أين يكمن السر ).
نتيجة الحملة المسعورة على السيد محمد حسين فضل الله اضطرته يوما للذهاب إلى إيران , لإيجاد منفذ وتدارس خطورة الموقف من تلك الحملة التي وصلت ذروتها ... إلا أن الرجل واجه حملة اشد ضراوة وصلت للاعتداء الجسدي لولا بعض الشباب العراقي الرسالي , الذي وقف حائلا دون ذلك . وصدق من قال : ( لولا العراقيين لسقط فضل الله . ) فقد شارك الجميع بدون استثناء إلا ما ندر بالحملة التسقيطية لسماحة السيد محمد حسين فضل الله .
واني أسجل كلمة تستحق الذكر هنا إلى حجة الإسلام السيد خسرو شاهي مستشار وزير الخارجية الإيراني آنذاك الذي حذر من خطر التعرض جسديا لسماحة آية الله السيد محمد حسين فضل الله في ظل الأجواء المسيئة للعلماء والحوزة والمراجع . ( ولو أن الكلمة جاءت متأخرة جدا ) .
أن تلفيق التهم والإشاعات الكاذبة جزافا ضد السيد محمد حسين , والتي تصدر أحيانا حتى على لسان علماء الدين الذين يدعون التحقيق العلمي في أمور تاريخية ليس لها سند محكم في أمهات الكتب .
أن الذين يحاربون محمد حسين فضل الله نعتقد أنهم يقودون حربا ظالمة ضده . لأنهم اقرب للجهل من العلم .
اكتفي بهذا القدر الموجز وللحديث بقية في الحلقة القادمة .. سأخوض فيها بحكايات عن محنة العراقيين في المهجر .
bravenet.com