untitled
viviti



5 - تشخيص الموءلف

انت روائي . تريد ان تروي قصتك . اذن , تجلس وتكتبها . ثمة مشكلة واحدة تواجهك منذ البداية : كيف ستسرد قصتك ؟ اعني من اية وجهة نظر؟
لنضع السوءال بشكل مختلف . كيف تعرف ان كل الاشياء التي حدثت تكون قصتك ؟ كيف تعرف ماسيقوم به بطلك وهو يشق طريقه وحيدا من اعلى الهاوية ليهرب من اعدائه ؟ كيف تعرف بما تفكر بطلتك وتشعر به حين تكتشف ان الرجل الذي احبته له علاقة بفتاة اخرى ؟ قد ترى هذه الاشياء بسيطة . اننا نسلم بان الموءلف يعرف كل شيء . واننا حبن نقراء رواية لاتطرح اسئلة كهذه . اما الروائي فيساءل نفسه . ان الروائيين , في الواقع . يقلقون بشاءن هذا.
توم جونس
في زمن و لم يحاول الروائيون اخفاء انفسهم في الرواية التي يكتبونها . خذ الرواية الانكليزية القديمة والعظيمة المنشورة عام 1789 وهي بعنوان " توم جونس " للكاتب هنري فيلدنغ . هذه الرواية هي من الروايات التي تستخدم العنوان الثانوي اضافة الى العنوان الرئيسي . انها تدور عن تاريخ لقيط هجرته امه وهو طفل . والرواية تسرد علينا قصة مغامرات توم جونس . في الفصل الاول , يتحدث الكاتب عن روايته كونها مقطوعة من فن الطبخ . فهو يقول ان قراءة الرواية تشبه الذهاب الى مطعم : فالطباخ يعطيك فكرة عما هو موجود في قائمة الطعام . لذا فان فيلدنغ يخبر قراءه ان قصته ستبداء بمادة جيدة وواضحة ثم تقدم لقرائها طعاما دسما بعد ذلك .
في سياق الرواية , يتوقف فيلدنغ ليتحدث الى قرائه . فهو يقول في مكان ما , على سبيل المثال شيئا مهما لبطله وشخصياته الاخرى . وحين تمر الاعوام في حياة توم جونس دون ان يحدث شيء يستحق ملاحظة القاريء , يمر الكاتب على هذه السنين دون ان يضيع كلمات بشاءنها .
اهذا شيء غريب باعتقادك ؟ وما وجه الغرابة ؟ اذ كان على الكاتب ان يستمر في تذكير قرائه انه بصدد صنع قصة ! اهذا يفسد الاشياء ؟ ايمنعنا هذا من الاعتقاد بان القصة حقيقية ؟ او ان هذا شيء نشعر به ونحن نقراء الرواية ؟
انك متى ما اعتدت على هذا النمط من الكتابة لا اظنك تجد طريقة فيلدنغ تمنعك من تصديق القصة . انها قصة جيدة لاتملك الا ان تنكب على قرائتها . ولكن من الصحيح اننا بعد مضي مائتي سنة او اكثر قد ندهش لو ان روائيا يتحدث الينا في روايته عما فعله مثلما فعل فيلدنغ .
بالطبع , ان الروائيين لم يفعلوا ذلك دائما . ففيما يتعلق بطول الرواية , تنتهي القصة دونما تعليق . لكن روائيي القرن التاسع عشر , ثاكري على سبيل المثال , كتبوا فعلا عن شخصياتهم كدمى واصبحوا هم محركي هذه الدمى .

6 - المؤلف الخفي


ثم جاء التغيير ببطء . بداء الموءلف بالاختفاء من صفحات روايته . او بالاحرى اخذ يضع في القصة التي يكتبها كاحدى الشخصيات وليس كطباخ او محرك الدمى .
ان هناك طريقة واضحة في كتابة الرواية تتخلص من الموءلف وتستبقيه في الوقت نفسه . انه يستطيع استخدام كلمة " انا " , وقد يجعل من نفسه بطل الرواية او احدى الشخصيات الاخرى , او يكتب قصته بصيغة الضمير المتكلم .
لنعد الى البطل الذي يهرب من اعدائه في اعلى الهاوية . هذا ما حدث فعلا لجون ترينشارد في رواية " مونفليت " لكاتبها ج . مييد فولكنر .
وجد جون نفسه متورطا مع المهربين , وبعد مماحكات مع رجال الضريبة في ساحل دروست افلح هو ورفيقه " الزيفير بلوك " في اتباع طريقة تسمى بالهروب المتعرج . جون هو " انا " في القصة , وقد اصيب بجروح في قدمه نتيجة اطلاق الرصاص عليه , يحمله الزيفير نحو الجزء الاعلى والواسع من الممر .
" خلال دقيقة عرفت من وقع خطوات الزيفير باننا قد تركنا الارض المعشوشبه . انا لا اصدق الان بان هناك عدة رجال في انكلترا يجازفون في اجتياز الممر . وليس هناك رجل في العالم يفعل ذلك وبين ذؤاعيه شاب . ومع ذلك لم ياءل الزيفير جهدا , ولم يتفوه كلمة واحدة , كان يسير ببطء فقط وشعرت انه يجر اقدامه حين يتقدم سائرا ليتاكد انه يضعها بثبات على الارض .
لم اقل شيئا , ولم ارد ان اثنيه عن مهمته الرهيبه , واليت الى الصمت ما استطعت , فارتميت هادئا بين ذراعيه وبالتدريج تحسست الريح التي نادرا ما نحسسها تحت الهاوية , وهي ريح منعشة وباردة في سفح الهاوية . وفجاة اخذ الممر يضيق ويضيق , ويسير الزفير ببطء حتى قال اخيرا : - جون .. ساتوقف , ولكن لاتفتح عينيك حتى اضعك ارضا واصدر لك امرا .
فعلت ما امرني به , وانزلني برفق , واجلسني على ارض الممر وتكلم ثانية : - الممر ضيق هنا بحيث لايسعني حملك , لذا فعليك ان تزحف من هذه الزاوية على يديك وركبتيك , ولكن احذر ان تضع اليد الخارجية بالقرب من يدك الداخلية , ووازن جسمك اذ لامحل هنا لاية حركة زائدة وثبت عينيك اثناء الزحف ولا تنظر الى الاسفل او الى جهة البحر .
حسن ما قاله لي ان افعل , وحسن ما فعلته انا , لانني حالما فتحت عيني , حتى انني لم اوجهها نحو سفح الهاوية , شاهدت ان الحافة اعرض بقليل من القدم الواحدة , وان اي انحراف للجسم يدفعني تاى تاصخور في الاسفل . لذا ظللت ازحف ولكني قضيت وقتا اطول في الانتقال عبر الياردات العشر التي تاخذني الى اول منعطف للممر , وذلك ان قدمي ثقيلة وتجعلني احس بوخز الالم اثناء ما اجرر نفسي . والزيفر ينسى المي ويصيح : - وسع حركتك ياولد اذا استطعت فالوقت ضيق .
ثم طلب مني ان اتوقف اذ ان الطريق اخذ يتسع وباستطاعته ان يحملني ثانية . لكن هنا تاتي الصعوبة ذلك ان الممر مايزال ضيقا وجدار الهاوية مقفل بحيث لايسعه ان يحملني بين ذراعيه . لذا استلقيت على وجهي وانحنى علي واضعا قدمه بين اكتافي ليرفعني , وفي اثناء انحنائه على الممر تسلقت من ورائه واضعا ذراعي حول رقبته , وحملني وسار خطوة خطوة . اغلقت عيني ثانية وتحركنا نحو خطر اخر, فما نزال نتسلق ونشعر بان الريح منعشة . "
هل راءيت كم من المفيد ان يروي احد الشخوص القصة بمثل هذه الطريقة ؟ فنحن نصدق ماحدث له لانه يخبرنا بذلك . ان الكثير من الروايات تروى بالطريقة هذه .
لكن لهذه الطريقة مشكلاتها . فلو ان الرواية تروى بهذه الطريقة , على الراوي . اذن , هو الشخص الوحيد الذي يعرف اشياء معينه . انه يعرف من الداخل , وبالطبع , كل الاحداث والمشاهد التي اقحم نفسه بها .
ليس هناك مشكلة فيما يتعلق بذلك الهروب على طريقة التعرج , فالراوي جون ترينشارد موجود ولكن ماذا بشاءن الاجزاء الاخرى من القصة ؟ تلك الاشياء التي تحدث في غياب الراوي , مع ان عليه ان يخبرنا بكل شيء . ان الراوي الذي يكتب بهذه الطريقة عليه ان يتاءمل طول الوقت : كيف عرفت هذا؟ وكيف عرفت ذاك ؟
لكن كتابة الرواية بصيغة الشخص المتكلم هي طريقة من بين طرق اخرى للتخلص من الموءلف كونه شخصا ماينفك يخبرنا ان حضوره في الرواية قائم . ونحن في هذه الحالة نشرع في القول ان الموءلف شخص يتحدث الى قارئه من خارج القصة .
والحيلة الاخرى هي التسليم بان الموءلف يعرف كل شيء فهو في كل مكان , وليس هناك شيء لم يره او يسمع به . ولكن حتى هذه الطريقة , التي اصبحت شائعة , لها مشاكلها .

يتبع في الصفحة الرابعة




Web Hosting · Blog · Guestbooks · Message Forums · Mailing Lists
Easiest Website Builder ever! · Build your own toolbar · Free Talking Character · Email Marketing
powered by a free webtools company bravenet.com