untitled
viviti



4 - الشخصيات .. من اين تاتي؟
على الروائي ان يلزم جانب الحيطة . فلو كنت جون بيبر كون في الخامسة عشر من العمر , تلميذ مدرسة, لك ساق خشبية , وتحب الشكولاته , قد لا يسرك ان تلتقط رواية وتقراء :
( جاء اليه المراهق الشرير جون بيبر كون ليوقعه في الشرك . تحرك بشكل خطر رغم ساقه الخشبية وحين جاء كان يمضغ الشكولاته . )
ان الموءلف ربما لم يرك ابدا ولم يسمع بوجودك , ولكنه لو ابتكر , بصدفة عجيبة , شخصية تحمل اسمك تمر بتفاصيل تنطبق عليك تماما , فبامكانك مقاضاته بتهمة الطعن .
انما هناك سوءال اكبر يكمن وراء ذلك . هل يضع الروائيون في اذهانهم دائما اناسا عاديين حين يخلقون شخصية ما ؟
الجواب , في مغظم الحالات , هو نعم ولا . نعم , بسبب تن المادة التي يستخدمها الروائي ( كما الخشب مادة للنجار ) هي معرفته بالناس . فما يعرفه , على سبيل المثال , من البخلاء ينبغي ان تاتي معرفته من لقائه اناس بخلاء فعلا .
لماذا , اذن , لم تقاض الصحف الملاْى بتقارير عن الروائيين بتهمة الطعن من قبل ضحاياها ؟
هناك اجابتان عن ذلك . الاجابة الاولى نجدها عند شارلز ديكنز وهو يشرع في كتابة روايته ديفيد كوبر فيلد , وديفيد كوبر فيلد شخصية مستمدة بشكل واضح من اب شارلز .
كان جون ديكنز , اب شارلز , نوعا من الرجال الذين لا مهرب لهم في الوقوع تحت طائلة الديون . وكان يامل ان شيئا ما سيقلب موازين الامور وسيصادفه حظ غير مرتقب : تنسكب النقود المعدنية في حضنه . وهو , شاءن بيلي بنتر في القصص المدرسية , يقنع نفسه ان حوالة بريدية ستنقذه من الهلاك . في اثناء ذلك , استمر في التدبير بالنقود , ووقع تحت طائلة الدين , الى حد ان الحكم عليه بالسجن لفترة ما لايستطيع تخليصه من حالته .
هذه قصة انسانية حزينة تدور من نوع خاص من كائنات انسانية . ان حماقة الاب الحقت اذى كبيرا بعائلته وبضمنهم شارلز ديكنز . وحين شب شارلز ليكون روائيا وذا براعة كبيرة كان من الطبيعي ان يكتب عن ذلك , وليس بالضرورة ان يكتب عن والده بالذات . ان كتابة الرواية ليست سرد حكايات عن الناس . فالروائي يمتلك اهتمامه الكبير بالطبيعة الانسانية .
السيد مكاوبر
اذن , يريد شارلز ديكنز ان يكتب عن هذا الجانب من الطبيعة الانسانية . انه بالكاد يفعل ذلك دون ان يفكر - في اثناء الكتابة - بوالده - وما فعله هو مثال لما يفعله الروائيون عادة في مثل هذه الحالة .
ان جون ديكنز موظفا واصبح فيما بعد مخبرا صحفيا . لكن شارلز لم يخلق في روايته شخصية كانت موظفا ومخبرا صحفيا . وبدلا عن ذلك , ابتكر شخصية اسمها ولكنز مكاوبر , وهو موظف مفلس لا يشبه جون ديكنز في مظهره , وقام باشياء كثيرة لم يفعلها والد ديكنز في حياته الحقيقية . لكن هذه الشخصية تشبه جون ديكنز بالضبط في موقفه من المال . فهو كثير الاعتذار عن نفسه . وحين لايكون احمق يقول لنفسه :
" الدخل السنوي عشرون باونا. المصروفات السنوية تسعة عشر . النتيجة : سعادة . الدخل السنوي عشرون باونا . المصروفات السنوية عشرون باونا .... النتيجة : بوءس " .
ماذا حدث ؟ بالتاكيد استخدم شارلز ديكنز اباه كاساس لشخصية ويلكنز مكاوبر . ما يهم بشان هذه الشخصية هو الطريقة التي يستمر فيها على تسخيف نفسه بما يهدره من مال , وما يتبع ذلك من تاثير سيء لضعفه . كل ذلك مستقى من شخصية جون ديكنز . لكن شارلز ديكنز لم يلتقط صورة فوتغرافية لابيه بالمفردات . فقد جعل شخصيته , وتبين ما اقصده , تشبه والده ولكنها في الوقت نفسه مختلفة عنه تماما .
لذا , يفعل الروائي شيئا واحدا حين يخلق شخصياته , انه ياخذ شخصا حقيقيا ويغير الكثير من ملامحه في حين يبقي على الجانب المهم من حقيقة هذا الشخص . ان الشخصية مزيج من الابتكار والحقيقة .
السيد بنسون

ثمة شيء اخر على الروائي ان يفعله حين يخلق شخصياته . فقد يصادف ( واحيانا لايفطن الى ذلك ) شخصين او ثلاثة , يتحدث قليلا الى كل واحد منهم . لذا , فان الروائي اقرب الى فرانكشتاين الذي خلق وحشه من اجزاء انسانية مبعثرة في باحات الكنائس , وما يفعله الكاتب هو اقل بشاعة , كما امل , ولكن بامكانك ان ترى فعلت ذلك في احدى رواياتي حين اردن ان اخلق شخصية استاذ قي الفن , عرفت اساتذة بالفن حقيقيين , علمني اولهم لسنوات عديدة مضت . كان شلرد الذهن, غير حسن الهندام , لكنه قاس . وعرفت استاذا اخر كان انيقا وليس شارد الذهن , لكنه لم يحافظ على النظام في الصف وكان مرتاحا الى ذلك . ولا اعتقد انني كنت اعرف انني وضعتهما سوية في شخصية السيد بنسون التي خلقتها في احدى رواياتي .
" منذ البداية , كان مستمتعا جدا بتلاميذه . انهم يتظاهرون في العثور على الصبغ في شعره , واعتقد انهم يقومون بذلك فعلا في اكثر من مناسبة ...... كان الشخص الاقل فطنة في المدرسة , وربما في لندن . كان هذا في زمن انهمك فيه الاولاد بالمعاطف الايطالية والسراويل الضيقة . لذا, فان السيد بنسون بملابسه الفضفاضة وبشرود ذهنه كان بالنسبة اليهم شخية لاتصدق . اذكر ان ولدا اسمه جوني قال لي ذات مرة : ( الا يشبه المعلم شخصا وهو خارج من فيلم رعب ؟ ) كان علي ان اوبخه على هذا القول بالطبع . فليست هذه طريقة للحديث عن معلم . لكني انتبهت الى هذه النقطة . ولكي تكون لامباليا اضمك بين العلماء المجانين وحتى بين خفافيش افلام الرعب . لكن الاولاد احبوا خفاشهم . وكانوا منشرحين بشكل خاص بفشل المعلم المطلق في السلوك . لم يلحظ السيد بنسون الضوضاء . وان عادته السيئة في هندامه جعلته من المستحيل ان يوءمن - كما يفترض بالمعلمين ان يوءمنوا - بان القلم والورقة وقطع الفلين وكمية من مسحوق الاصباغ لاترمى عند الباب . كانت غرفة الرسم التي يشرف عليها السيد بنسون كابوسا متنقلا , كانت كابوس معلم ايضا كما اعتقد : ضوضاء وعدم احترام , حتى انها غرفة تضج باصوات الازاميل الطارقة . ولكن يجدر بي القول اني استمتع بزيارة الغرفة احيانا بسبب وجه السيد بنسون الذي تعلوه ابتسامة وبسبب الرسم الجريء وتكورات الطين التي تنشاء من ضوضاء الازاميل . هناك شيء يتعلق بالسيد بنسون : ففي كل يوم تقرعه ضوضاء الاولاد .""
ربما تبتكر معظم الشخصيات الروائية بمثل هذه الطريقة . فالروائي يضع نتفا واجزاء من كائنات بشرية مختلفة الى بعضها ليصنع منها كائنات بشرية جديدة . وهناك شيء واحد يحدث : ان الروائي يضيف شيئا من نفسه . وبهذه الطريقة تعرف انت او ربما انا , مايشبه والد شارلز ديكنز : فهناك جزء من انفسنا , وفي لحظات , يسخف المال: انا وانت قد لانكون بائسين , ولكن هناك جزء صغير من شخصياتنا قد تكون بائسة لو ارادت ذلك . قد تكون شجاعا فعلا , ولكن اليس هناك جبن في داخلك ؟ قد يكون مزاجك جيدا في معظم الوقت , ولكن في لحظات تكون في مزاج سيء , ولو اردت ان تخلق شخصية ذات مزاج متعكر فقد تستفيد من جزء صغير ( او بالطبع من جزء اكبر ) من نفسك الذي يعرف الهياج والصخب والصراخ .
جرب ذلك . جرب كتابة مشهد صغير يتضمن الجبن والبوءس كما يتضمن انسانا عنيدا . ستدهش حين تكتشف انك نعلاف عن اشياء كثيرة : لاننا جميعا نمتلك في داخلنا نتفا من كل شخص اخر . من هنا تاتي شخصيات الرواية .

يتبع في الصفحة الثالثة


Web Hosting · Blog · Guestbooks · Message Forums · Mailing Lists
Easiest Website Builder ever! · Build your own toolbar · Free Talking Character · Email Marketing
powered by a free webtools company bravenet.com